ابن سبعين

359

رسائل ابن سبعين

فأعوذ باللّه من المشيئة على مذهب الأشعري ، وبئس ما قال فيها الفيلسوف ، ويا أسفا على المعتزلي ، ولطف اللّه بالصوفي ، وتمم له ما بدا به ، وطوى للمحقق . وقد خرج بنا الكلام إلى أنقص مما كنا فيه ، وبالقصد كان ، والمراد به التغطية ، وحكمة الوقت تحض على ذلك ، فنقول : الماهية التي قامت في العارض الأول إلى حد الحصر ، ثم أحياها النصيب الإلهي الذي لم يصدر من كمية ، ولا تغير بكيفية ، ولا تناسب بإضافة ، ولا تجوهر بشكل ، ولا تشكل في مادة ، ولا استند إلى وضع ، ولا تمكن في مكان ، ولا انجر عليه الزمان ، ولا انفعل ، ولا خلاف ولا لغير ؛ بل فعل ذلك ، أو فعل من فعل من ذلك ، أو فعل من فعل من فعل ذلك ، أو فعل من فعل عن ذلك ، أو كان بوجه ما ذلك . فهكذا فكر في الماهية التي ذكرناها ، واجعلها ماهية بنصيبها الوجودي ، ثم اجعل الكل ماهية وجودية ، ولا تلتفت إلى ماهية المشائين ، ولا إلى من تقدمهم وتأخرهم ، ولا إلى من يخوض في مثل الذي يخوضون فيه ، فإن الماهية تقال عندهم على أنحاء سبعة ، ثم على خمسة ، ثم على ثلاثة ، ويتكلمون عليها بالنظر إلى الأحوال والخواص ، وقليلا ما يوجد في هذا الوقت من يتكلم عليها ككلام من تقدم ممن يحض العاقل على إهماله ، وإن كانوا قد اختلفوا فالكل قائلون بالعوالم الثلاثة ، وبالرابع على رأي من لا يؤبه به . وبالجملة : تلك عدمية شبيهة بالعدم ، أو يقال عليها العدم بتقديم وتأخير ، وبترجيح وبتشكيك ، وقد يلزم فيها الدور ، أو قد يلزم منها ، وتكون لا موجودة ولا معدومة . وقد يقال فيها شيء بوجه ما ، وقد يجوز فيها القول ، أو يقال هي المعنى الذي يمكن أن يعلم ويخبر عنه . فالكلام فيها تقدر أن تقف عليه في مواضعه في كتب من ذكر ممن لا تحض بالإنصاف عليه ، ولا ترشد بالنصيحة إليه ، والأخذ عليهم ، وما يمكن أن يقال فيه يطول شرحه . إيه : فنرجع فنقول إذا حكيت تلك الماهية ، أو كنتها يمكن لك أن تتأهب إلى الغريزة ، ولمّا فقد كثر الناس هذه الماهية تخبطوا واختلفوا ، وطلبوا مشروطهم بغير شرط ، وحاصل أمرهم هو أن أملهم منسوب في مشار ما إليه رئيس رئيسهم متعلق بوهم ما خسيس ، فتوجهوا بقصدهم إلى غير مقصودهم ، وصرفوا حمدهم في غير محمودهم . وحقيقة هذا النقص من الطريق لا من السالك ، ومن المهلك لا من الهالك ، فكل يطلب الأولى ، ويتوجه بإرادته إلى العلي الأعلى ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه .